ماهي الفطرة التي يولد عليها المولود؟
الفطرة من المفاهيم الأساسية في التصور الإسلامي للإنسان، فهي تمثل الحالة الأصلية النقية التي خلق الله تعالى الإنسان عليها، قبل أن تؤثر فيه عوامل البيئة والتربية والمجتمع. وقد جعل الإسلام الفطرة أساساً لفهم طبيعة الإنسان وعلاقته بخالقه، موضحاً أن الإنسان يحمل في داخله استعداداً فطرياً لمعرفة الله، والبحث عن الحق، والتمييز بين الخير والشر.
قال الله تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ". فهذه الآية تشير إلى أن هناك طبيعة أصلية أودعها الله في الإنسان، وهي مرتبطة بالميل إلى الإيمان والاستقامة والبحث عن الهداية.
معنى الفطرة في الإسلام
الفطرة هي الهيئة التي خلق الله الإنسان عليها، وما أودعه فيه من استعداد لقبول الحق ومعرفة الخالق ومحبّة الخير. وقد اختلف العلماء في بيان تفاصيل معنى الفطرة، إلا أنهم اتفقوا على أنها تشير إلى الأصل السليم الذي يكون عليه الإنسان عند ولادته، قبل أن تتدخل المؤثرات الخارجية في تشكيل أفكاره ومعتقداته.
ومن أبرز معاني الفطرة:
الإستعداد لمعرفة الله والإيمان به.
الميل الطبيعي إلى التوحيد ورفض الباطل.
حب الخير والعدل والرحمة.
وجود الضمير الذي يميز بين ما هو مستقيم وما هو منحرف.
هل الفطرة تعني أن الإنسان يولد مسلماً؟
مفهوم الفطرة في الإسلام أن الإنسان يولد على الإستعداد للتوحيد والانقياد لله، وليس بالضرورة أنه يولد حاملاً لكل تفاصيل الدين من عبادات وأحكام وتشريعات.
فالطفل يولد بطبيعة نقية مهيأة لمعرفة الحق، ثم يتعلم الدين من خلال الوالدين والتعليم والبيئة. ولذلك جاءت الرسالات السماوية لتذكّر الإنسان بما هو منسجم مع فطرته الأصلية.
فوظيفة الوحي ليست تغيير طبيعة الإنسان، بل توجيهها وتصحيح ما قد يطرأ عليها من انحراف. ورد في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
العلاقة بين الفطرة والتوحيد
يربط الإسلام بين الفطرة والتوحيد ارتباطًا وثيقًا، لأن أعظم ما تتجه إليه فطرة الإنسان هو الإقرار بوجود خالق لهذا الكون.
فالإنسان بفطرته يبحث عن المعنى والغاية، ويتساءل عن أصل الوجود ومصير الحياة، وهذه الأسئلة العميقة تشير إلى حاجة روحية أودعها الله فيه.
ولهذا نجد أن كثيراً من العلماء اعتبروا أن معرفة الله ليست أمراً غريباً عن طبيعة الإنسان، بل هي موافقة لما جُبل عليه، بينما يكون الإعراض عن الله نتيجة مؤثرات وشبهات قد تعترض طريق الإنسان.
أثر الفطرة في بناء شخصية الإنسان
تلعب الفطرة دوراً مهماً في تشكيل شخصية الإنسان، فهي تمثل الأساس الداخلي الذي يدفعه نحو القيم النبيلة. ومن آثارها:
الميل إلى الخير
يملك الإنسان إحساساً داخلياً بأهمية الصدق والأمانة والرحمة، حتى قبل أن يتعلم تفاصيل القوانين والأعراف.
البحث عن الحقيقة
الإنسان بطبيعته لا يكتفي بالمظاهر، بل يسعى إلى فهم الحياة والغاية من وجوده.
الشعور بالمسؤولية الأخلاقية
الفطرة تجعل الإنسان قادراً على إدراك أن بعض الأفعال حسنة وبعضها سيئة، وهو ما يرتبط بمفهوم الضمير. قال الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا".
الفطرة بين العقل والوحي
لا يرى الإسلام تعارضاً بين الفطرة والعقل والوحي، بل يعتبرها عناصر متكاملة:
الفطرة تمنح الإنسان الاستعداد الداخلي للبحث عن الحق.
العقل يساعده على التفكير والتدبر.
الوحي يقدم له الهداية والتوجيه الكامل.
فالإنسان في المنظور الإسلامي ليس مجرد كائن مادي، بل مخلوق يحمل بُعداً روحياً وعقلياً وأخلاقياً.