مقاصد الصيام عند أحمد الريسوني
يُعدّ فقه المقاصد أحد أهم المناهج المعاصرة لفهم التشريع الإسلامي، وقد أسهم عدد من العلماء في تجديد النظر المقاصدي، ومن أبرزهم الدكتور "أحمد الريسوني"، عالم مغربي متخصص في علم المقاصد، وعضو مؤسس في الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي تناول العبادات ـ ومنها الصيام ـ باعتبارها وسائل لتحقيق غايات تربوية وروحية واجتماعية، لا مجرد تكاليف شكلية. ومن خلال قراأته المقاصدية، يظهر الصيام عبادة ذات أبعاد متعددة تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب إلى بناء الإنسان فرداً ومجتمعاً.
الصيام وتحقيق التقوى
يرى "الريسوني" أن التقوى هي المقصد الأعلى للصيام، مستنداً إلى قوله تعالى: "لعلكم تتقون".
والتقوى عنده ليست مجرد خوف سلبي، بل:
وعي دائم بالله تعالى ومراقبته.
ضبط للسلوك وفق القيم الإسلامية.
تربية الضمير الأخلاقي لدى المسلم.
فالصيام يربّي الإرادة ويقوّي قدرة الإنسان على التحكم في شهواته، مما يعزز الاستقامة في سائر مجالات الحياة.
البعد التربوي والأخلاقي للصيام
يؤكد "الريسوني" أن الصيام مدرسة أخلاقية متكاملة، ومن أهم مقاصده التربوية:
تهذيب النفس
الصيام يدرّب الإنسان على الصبر، ويحدّ من النزعات الاستهلاكية والشهوات المفرطة.
تعزيز الصدق والإخلاص
لأن الصيام عبادة خفية لا يطلع عليها إلا الله غالبًا، فهو يرسّخ الإخلاص بعيدًا عن الرياء.
ضبط السلوك الإجتماعي
فالصائم مأمور بترك الغضب والسباب وسوء الخلق، مما ينعكس إيجابًا على المجتمع.
المقصد الإجتماعي والتضامني
من أبرز ما ركز عليه "الريسوني" أن الصيام ليس عبادة فردية فقط، بل له أثر اجتماعي واضح:
الإحساس بمعاناة الفقراء والجوعى.
تنشيط التكافل من خلال الصدقات والزكاة.
تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية عبر موائد الإفطار والعبادات الجماعية.
وهذا يعكس البعد الحضاري للإسلام الذي يربط العبادة بإصلاح المجتمع.
الصيام وتحقيق التوازن الإنساني
وفق الرؤية المقاصدية، الصيام يحقق توازنًا بين:
الروح والجسد: بتخفيف سلطان المادة وتقوية الروح.
الفرد والمجتمع: إذ يجمع بين التزكية الفردية والتكافل الاجتماعي.
الدنيا والآخرة: عبر تهذيب السلوك الدنيوي طلباً للثواب الأخروي.
ارتباط فهم الريسوني بالتراث المقاصدي
يتأثر تحليل الريسوني بمنهج علماء المقاصد، خاصة الإمام "الشاطبي"، صاحب نظرية المقاصد الكلاسيكية، والذي أبرز أن الأحكام الشرعية شُرعت لتحقيق مصالح العباد. وقد درس "الريسوني" هذا التراث بعمق في كتابه:نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي؛ حيث أكد فيه أن العبادات ـ ومنها الصيام ـ لا تُفهم على الوجه الصحيح إلا بالنظر إلى حكمها وغاياتها.
ثمار الفهم المقاصدي للصيام
عند تبني الرؤية المقاصدية للصيام تظهر نتائج عملية، منها:
تجديد روح العبادة بعيداً عن العادات الشكلية.
تعزيز القيم الأخلاقية في المجتمع الإسلامي.
بناء شخصية متوازنة روحياً وسلوكياً.
ربط الشعائر بالنهضة الحضارية.