-
14:41
-
13:27
-
11:13
-
10:02
-
09:05
-
10:08
-
09:33
-
15:34
-
13:17
تابعونا على فيسبوك
أدب الإختلاف في الإسلام
الإختلاف من السنن الكونية التي أودعها الله تعالى في خلقه، فالناس يختلفون في أفكارهم، وطبائعهم، وثقافاتهم، وطرق فهمهم للأمور. ولم ينظر الإسلام إلى الإختلاف باعتباره ظاهرة سلبية في ذاتها، بل ميّز بين اختلاف التنوع الذي يُثري الحياة والخلاف المذموم الذي يؤدي إلى الفرقة والعداوة. ولذلك وضع الإسلام منظومة أخلاقية راقية تُعرف بـ"أدب الإختلاف"، تهدف إلى تنظيم الحوار، وحفظ كرامة الإنسان، وتحقيق التعاون على الخير.
فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف، وإنما في طريقة التعامل معه؛ إذ يمكن أن يكون الإختلاف باباً للمعرفة والتكامل، كما يمكن أن يتحول إلى سبب للتعصب والصراع إذا غابت الأخلاق وضوابط الحوار.
مفهوم الإختلاف في الإسلام
الإختلاف هو تعدد الآراء والمواقف تجاه قضية معينة نتيجة اختلاف الفهم أو الاجتهاد أو الظروف. وقد أقرّ الإسلام وجود الاختلاف بين البشر، قال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".
فالإختلاف جزء من طبيعة الإنسان، وليس كل اختلاف مدعاة للخصومة. وقد عرف تاريخ المسلمين اختلافات علمية وفقهية كثيرة بين العلماء، لكنها كانت في غالبها اختلافات قائمة على البحث والإجتهاد، مع بقاء الاحترام والمودة.
الفرق بين الإختلاف والخلاف المذموم
ليس كل اختلاف محموداً؛ فهناك فرق بين:
اختلاف التنوع
وهو الإختلاف الذي يقوم على تعدد الإجتهادات وتنوع وجهات النظر، مع احترام الثوابت والأصول. وهذا النوع قد يكون سببا في إثراء الفكر الإسلامي وتوسيع آفاق المعرفة. ومن أمثلته اختلاف الفقهاء في بعض المسائل الإجتهادية التي لا يوجد فيها نص قطعي الدلالة.
اختلاف التضاد
وهو الإختلاف الذي يقوم على التعصب والهوى ورفض الحق، أو يؤدي إلى تكفير الآخرين وإثارة العداوة والبغضاء. وقد حذر القرآن من الفرقة الناتجة عن اتباع الأهواء، قال تعالى: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ". فالإسلام لا يحارب الإختلاف، وإنما يحارب الظلم والتعصب وسوء الأخلاق.
أسس أدب الإختلاف في الإسلام
الإخلاص وطلب الحق
من أهم قواعد الاختلاف في الإسلام أن يكون الهدف الوصول إلى الحق، وليس الانتصار للنفس أو إثبات التفوق على الآخرين. فالمسلم عندما يحاور غيره لا يبحث عن هزيمته، بل يسعى إلى بيان الصواب بالحكمة والإحترام. قال تعالى: "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ".
احترام المخالف
من أعظم أخلاق الإسلام احترام الإنسان مهما اختلف معه في الرأي. فالاختلاف الفكري لا يبرر الإساءة أو السخرية أو الانتقاص من الآخرين.
قال تعالى: "وَلَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ". فالإحترام ليس موافقة على كل الأفكار، ولكنه اعتراف بكرامة الإنسان وحقه في التعبير.
حسن الإستماع قبل الرد
من آداب الحوار أن يستمع الإنسان إلى رأي غيره بفهم وإنصاف، لا أن يبحث فقط عن نقاط الضعف للرد عليها. وقد كان النبي صلى الله عله وسلم يستمع إلى أصحابه ويحاورهم، ويقبل المشورة، كما حدث في مواقف كثيرة من سيرته. إن الاستماع الجيد يفتح أبواب التفاهم ويقلل من سوء الفهم.
العدل والإنصاف
الإسلام يأمر بالعدل حتى مع المخالف، قال تعالى: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ". فالعدل يقتضي الإعتراف بصواب الآخرين عندما يكونون على حق، وعدم رفض الفكرة لمجرد صدورها من شخص نختلف معه.
الإبتعاد عن التعصب
التعصب للرأي من أخطر آفات الاختلاف؛ لأنه يجعل الإنسان يرى نفسه دائمًا على صواب وغيره دائما على خطأ. وقد كان العلماء المسلمون يضربون أروع الأمثلة في التواضع العلمي، ومن أقوال الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". وهذا يعكس روح الإجتهاد والبحث عن الحقيقة.
ضوابط الإختلاف مع الآخرين
وضع الإسلام مجموعة من الضوابط التي تجعل الاختلاف وسيلة للبناء، ومنها:
عدم الإعتداء على المقدسات: فالحرية في الإسلام مرتبطة بالمسؤولية واحترام الآخرين.
تجنب السخرية والتجريح: لأن الإساءة الشخصية تفسد الحوار وتحوله إلى صراع.
التفريق بين الشخص والفكرة: فقد نرفض فكرة معينة، لكن لا يعني ذلك احتقار صاحبها.
استخدام الدليل والحجة: فالقرآن يدعو إلى الحوار القائم على البرهان، قال تعالى: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ".