-
14:41
-
13:27
-
11:13
-
10:02
-
09:05
-
10:08
-
09:33
-
15:34
-
13:17
تابعونا على فيسبوك
الحكمة من إخفاء يوم القيامة
الإيمان بيوم القيامة أحد أصول العقيدة الإسلامية، إذ يؤمن المسلم بأن الحياة الدنيا مرحلة مؤقتة يعقبها يوم عظيم يقف فيه الناس بين يدي الله تعالى للحساب والجزاء. ومع عظمة هذا اليوم وهوله، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يُخفي موعده عن الخلق، فلم يُطلع عليه أحداً من الأنبياء والملائكة، بل استأثر سبحانه بعلمه، كما قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ".
ترسيخ معنى الإيمان بالغيب
من أعظم الحكم في إخفاء موعد القيامة أنه يجعل الإيمان بها قائمًا على التصديق بما أخبر الله به، لا على مشاهدة الأمر أو معرفة موعده بدقة. فالإيمان الحقيقي لا يكون فقط بما تدركه الحواس، بل بما يصدّقه القلب اعتماداً على خبر الله ورسوله.
قال الله تعالى في وصف أهل التقوى: "الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ". فلو عُرف وقت القيامة معرفة يقينية، لتحول انتظارها عند كثير من الناس إلى مجرد استجابة اضطرارية للواقع، بينما أراد الله لعباده أن يختاروا طريق الإيمان والطاعة بإرادتهم الحرة.
دفع الإنسان إلى دوام الإستعداد
لو كان موعد القيامة معلوماً للناس، فقد يؤجل كثير منهم التوبة والعمل الصالح حتى يقترب ذلك الموعد، كما يفعل بعض الناس عندما يؤجلون إصلاح حياتهم إلى وقت معين.
لكن إخفاء الساعة يجعل الإنسان في حالة استعداد دائم، فلا يعلم هل يدرك الغد أم لا، ولا يعلم متى تنتهي فرصته في العمل والتوبة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". فالمؤمن يعيش وهو يحمل مسؤولية وقته وأعماله، مدركاً أن الرحيل قد يأتي في أي لحظة، وأن الإستعداد لا ينبغي أن يُؤجل.
تحقيق الإبتلاء والإختبار
الحياة الدنيا في التصور الإسلامي دار ابتلاء، قال تعالى: "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً". ومن طبيعة الإختبار أن تكون بعض الأمور غير معلومة للإنسان، حتى يظهر صدق إيمانه وحسن اختياره. فلو عرف الناس موعد القيامة، لربما تغيّرت دوافعهم، وأصبح كثير من العمل مرتبطاً بالخوف من قرب النهاية فقط، لا بحب الله وتعظيمه والإلتزام بأوامره.
منع الفوضى وتعطّل مصالح الحياة
من حكم إخفاء وقت القيامة أيضاً أن استمرار جهل البشر بموعدها يحافظ على انتظام الحياة واستمرار البناء والعمران. فلو علم الناس أن القيامة ستقوم بعد زمن قريب، فقد يؤدي ذلك إلى توقف كثير من الأعمال والمشاريع، وقد يترك الناس مسؤولياتهم الدنيوية بحجة قرب النهاية. أما حين لا يعلمون وقتها، فإنهم يواصلون العمل والإنتاج وإعمار الأرض، مع بقاء الإستعداد الروحي للقاء الله. وهذا يحقق التوازن الذي أراده الإسلام بين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة.
إظهار كمال علم الله وحكمته
إن إخفاء موعد الساعة يذكّر الإنسان بحدود معرفته، وأن علم الله تعالى محيط بكل شيء، بينما علم الإنسان محدود. قال تعالى: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا"ً. فالإنسان مهما بلغ من العلم والتقدم لا يستطيع معرفة كل أسرار الكون، ومن بينها موعد نهاية هذا العالم. وهذا يدفعه إلى التواضع، وعدم الغرور بعقله وقدراته.
إبقاء باب الرجوع إلى الله مفتوحاً دائماً
لو عُرف موعد القيامة، فقد يقع بعض الناس في وهم خطير، وهو تأجيل التوبة إلى اللحظات الأخيرة. أما إخفاؤها فيجعل باب التوبة مفتوحًا في كل وقت، ويحث الإنسان على المبادرة قبل فوات الأوان.
كما أن الإسلام لا يربط التوبة بقرب القيامة فقط، بل يدعو الإنسان إلى إصلاح نفسه في كل لحظة، لأن نهاية الإنسان الخاصة ـ وهي الموت ـ قد تأتي قبل قيام الساعة.
قال تعالى: "وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". إن غياب الموعد المحدد يكشف حقيقة النفوس: فمن الناس من يستقيم رغم عدم معرفته بالوقت، ومنهم من لا يتذكر الآخرة إلا عند وقوع الخطر.
تعزيز الشعور بالمسؤولية الأخلاقية
الإيمان بأن هناك يوماً للحساب دون معرفة موعده يجعل الإنسان أكثر مراقبة لأعماله، فهو يعلم أن كل قول وفعل محفوظ وسيحاسب عليه. قال تعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ". وهذا الشعور بالمسؤولية يمنح للحياة معنى، ويجعل الإنسان يدرك أن أفعاله ليست بلا غاية، وأن العدل الكامل ينتظر الجميع في اليوم الآخر.