-
14:41
-
13:27
-
11:13
-
10:02
-
09:05
-
10:08
-
09:33
-
15:34
-
13:17
تابعونا على فيسبوك
لماذا خلق الله نعمة النسيان؟
النسيان من الظواهر الإنسانية التي ترافق الإنسان منذ وجوده، فهو ينسى بعض الأحداث، والأسماء، والمواقف، وربما ينسى بعض ما كان يهمه في مراحل معينة من حياته. وقد ينظر البعض إلى النسيان على أنه ضعف أو نقص في الذاكرة، إلا أن الإسلام ينظر إليه من زاوية أعمق؛ فهو جزء من طبيعة الإنسان التي خلقه الله عليها، وفيه من الحكم والرحمة ما يعجز العقل عن إدراك جميع أبعاده.
قال الله تعالى: "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً". فبيّنت الآية أن النسيان من صفات البشر، وأنه جزء من طبيعتهم التي لا تنفصل عن تكوينهم.
النسيان طبيعة بشرية
خلق الله الإنسان بقدرات محدودة، فلم يجعله كائناً يحفظ كل شيء ولا ينسى شيئاً، لأن ذلك لا يناسب طبيعته ولا قدرته على العيش. فالذاكرة البشرية لو امتلأت بكل التفاصيل منذ الطفولة إلى الشيخوخة، لعجز الإنسان عن التركيز على حاضره ومستقبله.
إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يصلح لعباده، فجعل الذاكرة تنتقي بعض الأحداث وتترك بعضها، وجعل النسيان وسيلة لحماية الإنسان من ثقل التجارب المتراكمة.
فالإنسان ينسى كثيراً من لحظات الألم، ويفقد تدريجياً شدة تأثير بعض الصدمات، حتى يستطيع مواصلة حياته. ولو بقيت كل الجراح حاضرة في القلب والعقل بنفس قوتها الأولى، لتعطلت قدرة الإنسان على العمل والأمل وبناء المستقبل.
النسيان رحمة
من أعظم حكم النسيان أنه يخفف عن الإنسان وطأة المصائب. فالإنسان قد يمر بفقد عزيز، أو تجربة مؤلمة، أو أزمة شديدة، وفي بداية الأمر يشعر بأن الألم لا ينتهي، لكن مرور الزمن وما يصاحبه من نسيان يجعل القلب أكثر قدرة على التحمل. وهذه من رحمة الله بعباده؛ إذ لا يزيل الألم فجأة دائماً، لكنه يمنح الإنسان نعمة التكيف والنسيان التدريجي.
قال الله تعالى: "لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ". فالإنسان مأمور ألا يبقى أسيراً لما مضى، لأن الحياة لا تتوقف عند حدث واحد، بل تستمر بحكمة الله وتقديره.
النسيان يساعد الإنسان على التوبة
من رحمة الله أن الإنسان لا يبقى دائماً أسيراً لأخطائه الماضية. فلو ظل يتذكر كل ذنب وكل تقصير بنفس الألم والندم، فقد يؤدي ذلك إلى اليأس والقنوط. والإسلام يفتح باب التوبة دائماً، ويحث الإنسان على إصلاح نفسه بدل الإستسلام للماضي.
قال الله تعالى: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ"]. فالنسيان هنا يساعد الإنسان على التحرر من أسر الماضي، مع بقاء العبرة والتعلم من الأخطاء. فالمؤمن لا ينسى الدروس، لكنه لا يعيش سجيناً للذنوب السابقة بعد التوبة.
النسيان نعمة في العلاقات الإنسانية
إن كثيراً من استمرار العلاقات الأسرية والاجتماعية قائم على القدرة على تجاوز الأخطاء ونسيان بعض الإساأت. فالإنسان بطبيعته يخطئ، ومن رحمة الله أن جعل في النفس قدرة على الصفح والتجاوز.
قال الله تعالى: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ". فالعفو والصفح يحتاجان إلى قلب لا يعيش أسيراً لكل ما مضى.
النسيان يذكّر الإنسان بضعفه
من الحكم العظيمة للنسيان أنه يجعل الإنسان يدرك أنه مخلوق ضعيف، لا يملك السيطرة الكاملة على كل قدراته. فالإنسان قد ينسى ما يريد تذكره، وقد يتذكر ما حاول نسيانه، مما يذكره بأن الكمال المطلق لله وحده.
قال الله تعالى: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً". فالنسيان يعلّم الإنسان التواضع، ويجعله أكثر لجوءاً إلى الله، وأكثر إدراكاً لحاجته إلى رحمته وتوفيقه.